السيد ثامر العميدي

325

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

يا هشام ، انظر أمامك وفوقك وتحتك وأخبرني عمّا ترى ؟ فقال : أرى سماءً وأرضاً وجبالًا وأشجاراً وغير ذلك . فقال له : الذي قدر أن يجعل هذا كلّه في مقدار العدسة - وهو سواد ناظرك - قادر على ما ذكرت « 1 » . فقال السيّد المرتضى في جوابه : « اعلم أنّه لا يجب الإقرار بما تضمّنته الروايات ، فإنّ الحديث المروي في كتب الشيعة وكتب جميع مخالفينا يتضمّن ضروب الخطأ وصنوف الباطل من محال لا يجوز أن يتصوّر ، ومن باطل قد دلّ الدليل على بطلانه ، ولهذا وجب نقد الحديث بعرضه على العقول فإذا سلم عليها عرض على الأدلّة الصحيحة كالقرآن . . وهذا الخبر المذكور بظاهره يقتضي تجويز المحال - المعلوم بالضرورات فساده - وإن رواه الكليني رحمه اللَّه . فكم روى هذا الرجل وغيره من أصحابنا رحمهم اللَّه في كتبهم ما له ظواهر مستحيلة أو باطلة ، والأغلب الأرجح أن يكون هذا خبراً موضوعاً مدسوساً » . ثمّ حاول السيّد المرتضى تأويل الخبر المذكور باحتمال أن يكون الإمام عليه السلام قد سُئل عن ذلك بمحضر من الزنادقة ، فأشفق عليه السلام أن يقول : أنّه ليس بمقدور ، فيظنّ من لا علم له أنه عليه السلام قد عجّز ربّه تعالى ونفى عن قدرته شيئاً مقدوراً ، فأجاب به ، وأراد : أنّ اللَّه تعالى قادر على ذلك لو كان ذلك مقدوراً . ثمّ قال السيّد المرتضى : « وكأنّه عليه السلام قال : من جعل عيني على صفة أدرك معها السماء والأرض وما بينهما ، لابدّ أن يكون قادراً على كلّ حال مقدور . وهو قادر على إدخال الدنيا في البيضة لو كان مقدوراً . وهذا أقرب ما يؤول عليه هذا الخبر الخبيث الظاهر » « 2 » .

--> ( 1 ) . ينظر الخبر في الكليني / أصول الكافي : ج 1 ص 79 ح 4 باب حدوث العالم وإثبات المحدث من كتاب التوحيد ، وفيه : « . . . يا هشام ، فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى . فقال : أرى سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراري وجبالًا وأنهاراً . فقال له أبو عبداللَّه عليه السلام : إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها ، قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة . . » . ( 2 ) . رسائل الشريف المرتضى / المجموعة الأولى ، جوابات المسائل الطرابلسيّات الثالثة : ص 408 - 411 المسألة الثالثة عشرة .